الشيخ محمد رشيد رضا
313
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولما صار لفظ السّلام تحية المسلمين صارت التحية به عنوانا على الاسلام كما يأتي في قوله تعالى من هذه السورة « وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً » ومما ينبغي بيانه هنا ان بعض المسلمين يكرهون أن يحييهم غيرهم بلفظ السّلام ويرون انه لا ينبغي رد السّلام على غير المسلم ، اي يرون انه لا ينبغي لغير المسلم ان يتأدب بشيء من آداب الاسلام ، وفاتهم ان الآداب الاسلامية إذا سرت في قوم يألفون المسلمين ويعرفون فضل دينهم وربما كان ذلك أجذب لهم إلى الاسلام ، ومن صفات المؤمن انه يألف ويؤلف ، وقد سئلت عن هذه الآية وآية النور ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلى أَهْلِها ) هل السّلام فيهما على اطلاقه وعمومه فيشمل المسلمين أم هو خاص بالمسلمين فأجبت في المجلد الخامس من المنار ( ص 853 - 585 ) بما نصه : ( ج ) إن الاسلام دين عام ومن مقاصده نشر آدابه وفضائله في الناس ولو بالتدريج وجذب بعضهم إلى بعض ليكون البشر كلهم أخوة . ومن آداب الإسلام التي كانت فاشية في عهد النبوة إفشاء السّلام الا مع المحاربين لان من سلم على أحد فقد أمّنه فإذا فتك به بعد ذلك كان خائنا ناكثا للعهد . وكان اليهود يسلمون على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فيردّ عليهم السّلام حتى كان من بعض سفهائهم تحريف السّلام بلفظ ( السام ) أي الموت فكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يجيبهم بقوله « وعليكم » وسمعت عائشة واحدا منهم يقول له : السام عليك . فقالت له : وعليك السام واللعنة . فانتهرها عليه الصلاة والسّلام مبينا لها أن المسلم لا يكون فاحشا ولا سبابا وان الموت علينا وعليهم . وروي عن بعض الصحابة كابن عباس انهم كانوا يقولون للذمي : السّلام عليك . وعن الشعبي من أئمة السلف أنه قال لنصراني سلم عليه : وعليك السّلام ورحمة اللّه تعالى . فقيل له في ذلك فقال « أليس في رحمة اللّه يعيش » وفي حديث البخاري الامر بالسلام على من تعرف ومن لا تعرف . وروى ابن المنذر عن الحسن أنه قال « فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها » للمسلمين « أَوْ رُدُّوها » لأهل الكتاب وعليه يقال للكتابي في رد السّلام عين ما يقوله وان كان فيه ذكر الرحمة « تفسير النساء » / « 40 خامس » / « س 4 ج 5 »